غياب الدولة والمواطن من تقرير «التنمية البشرية»

الفضل شلق
صدر منذ أيام التقرير الوطني للتنمية البشرية بعنوان «نحو دولة المواطن». استُحضر فيه المواطن؛ وغابت الدولة إلا من بعض التمنيات المستقبلية. في التقرير كلام كثير حول المواطنة، وحول الطائفية. ليس فيه ما يشفي الغليل حول الدولة وبنائها سوى اقتراحات هنا وهناك حول الخصخصة، أي الإمعان في إضعاف الدولة وسلبها دورها. هناك تغييب للدولة بدليل أن المقترحات في آخر التقرير تدور، في معظمها، حول تربية الفرد اللبناني ليصبح مواطناً (غير طائفي) وحول القيم وضرورة تحويلها.
في التقرير صخب عالي النبرة بهدف تصفية الحساب مع المرحلة السابقة، مرحلة ما بعد اتفاق الطائف. يحار القارئ إذ يحاول اكتشاف من المستهدف في تصفية الحساب: هل هو الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟ أم المستهدف هو ما يطلق عليه تسمية الوصاية السورية؟ أم الاثنان معاً؟
لا يخجل كاتبو التقرير، الذي شارك في إصداره مجلس الإنماء والإعمار وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، من استخدام تعبير «الإعمار السني» إلى جانب «التحرير الشيعي»، إلى جانب «السيادة المارونية». لكن محاولة الإيهام بالتوازن في العناوين تنكشف عندما تقرأ (صفحة 90) عن مفاعيل الدور السوري في: (1) إضعاف القوى السياسية المسيحية بتجريم قوتيهما الرئيسيتين وعزلهما. أما ثاني هذه المفاعيل فكان «تجيير مهمة الإعمار وإنعاش الحياة المدنية إلى الزعامة السنية». يوحي تعبير «تجيير» أن الشهيد رفيق الحريري كان رئيس وزراء وكان فوق ذلك، أداة بيد النظام السوري، بيدقاً يحركونه كيفما يشاؤون. هل كان المفروض إنكار الإعمار وعدم القيام به نكاية بالسوريين، ونفياً لتهمة «السنية» في التصرف، وإرضاءً لمن هم «غير سنة» في السياسة، وهل صحيح اتهام الشهيد رفيق الحريري بأنه سني في السياسة.
يبدو أن مشكلة كاتبي التقرير ليست مع الدولة وحسب، وليست في موقفهم من السلطة أو من التمييز بين مفهومي النظام والسلطة من جهة والدولة من جهة أخرى؛ والظاهر أنهم يعرفون ما الفرق بينهما ويدركونه جيداً؛ بل إن مشكلتهم هي في الدولة، في أن تكون الدولة واجهة للسلطة التي يمثلونها أو لا تكون. والسلطة التي يمثلونها لا يرد ذكرها في التقرير.
يزخر التقرير بالتحليلات الطائفية، التحليلات عن الطوائف، وليس هناك تحليل طبقي. هناك أسف على الفقراء الذين يجب إعادة تربيتهم، مع غيرهم من اللبنانيين كي يصيروا مواطنين. أما مصالح الطبقة الحاكمة للوطن والمجتمع منذ زمن طويل فهي غير مذكورة في التقرير. فهل في الأمر مصادفة، أو مجرد إهمال غير مقصود؟
بكل وقاحة يقول التقرير (صفحة 122) «اتخذت حقوق المواطنة الاجتماعية صفة مؤسسية خلال الانتداب الفرنسي، عندما أعلن لبنان رسمياً كأمة - دولة مستقلة. وكان المنظور التاريخي أن تضطلع الدولة بدور مواز لدور القطاع الخاص في توفير الخدمات في بيئة نظام السوق الحرة».
هكذا، بكل بساطة، تتم تبرئة الانتداب الفرنسي من وصمة الاستعمار والامبريالية. هل الدولة جهاز حماية ضد الوصاية السورية، أو أي علاقة عربية أخرى؟ أم هي تبرير للخلاص من وصاية عربية من أجل وضع المجتمع والأرض تحت وصاية اوروبية وأميركية؟ لا يبرر الأحرار الاستبداد العربي، مهما كان، ومهما كان مصدره؛ ولا يبرر الأحرار أيضاً الامبريالية الغربية، حتى لو كانت ممزوجة بالحداثة والديموقراطية. نعيش في منطقة عربية، فيها فلسطين والعراق والصومال، وقواعد أجنبية ومستعمرات مراكزها السفارات الكبرى التي تفوق القواعد العسكرية. هل يحق لنا أن نعتبر أن «وجه الشيطان الأكبر» قد تغير؟
يُدين كاتبو التقرير عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري بتهمة «التكاليف المرتفعة لإعادة الإعمار» (صفحة 40) دون برهان على ذلك. والحال أن تكاليف الإعمار كانت أدنى من غيرها في مختلف أنحاء العالم. ويُدينون الاستدانة «بنسب فائدة مرتفعة»، ولا يميزون بين الاستدانة للإعمار، وهذه كانت تتم بقروض من مؤسسات تنمية دولية وعربية وإسلامية بفوائد منخفضة جداً، وبين الاستدانة للنفقات الاستهلاكية الإدارية، وهذه كانت تتم بقروض من السوق الحرة، التي يشيدون بها؛ كما لا يميزون بين نفقات الإنشاءات الكهربائية التي ما فاقت المليار دولار، والنفقات الإدارية للكهرباء، بما فيها شراء الفيول، التي تقول الحكومات المتعاقبة انها كلفت حوالى 10 مليارات دولار.
إن كلفة الإعمار لم تزد على 4,4 مليارات دولار باعتراف كاتبي التقرير (صفحة 127)، علماً بأن الإعمار كان له مردود زاد على الكلفة في السنوات الأولى وحدها، في حين أن نفقات الدولة الاستهلاكية هي سبب الدين العام. إذا وافقنا على أن الإعمار منوط بفريق لبناني دون الآخرين، وهذا خطأ، إلا أن النموذج الاستهلاكي للنظام اللبناني الذي يُجمع اللبنانيون حوله هو الذي ورط الدولة بالديون الهائلة.
يذكر التقرير (صفحة 122) أنه لم يجر قط تبني خطة إعمارية للبلاد في فترة ما بعد الحرب. لا يميز هنا بين ما أسماه «عهد الوصاية السورية» وبين العهد اللاحق. والواقع أن النظام الاجتماعي الاقتصادي السياسي اللبناني رفض مناقشة خطة الإعمار في العام 1993 (عهد الوصاية) ورفض خطة أوسع وأكثر إحكاماً في العام 2006، أي في عهد الاستقلال والسيادة.
هناك، في الحالتين، رغم اختلال الظروف، موقف واحد للطبقة السياسية والاقتصادية الحاكمة، هو رفض الإعمار ورفض دور الدولة. وهذا ما فرضته هذه الطبقة على رفيق الحريري وعلى السلطة السورية، وفي عهد حكومة السنيورة.
لا يناقش التقرير آلية عمل هذا النظام الاقتصادي - السياسي، ولا الطبقة التي تسيطر عليه وتعيق عمل الدولة إلا في ما يتعلق بمصالحها. لذلك يحبط كاتبو التقرير بشأن الدولة. يكثرون الحديث عن المواطنة، فكأن الملامة تقع على الناس في تربيتهم وأخلاقهم وقيمهم، وليست تقع على النخب السياسية وأصحاب القرار. يريد كاتبو التقرير الوصول إلى «تحليل موثوق لمكونات النظام بعيداً عن المؤثرات السياسية» (صفحة 9). «هم يريدون الإسهام في إعادة إنعاش الحياة السياسية والمناقشات المتعلقة بالهوية وتوجيهها نحو أسس أكثر مدنية وديموقراطية». ربما أرادوا بناء دولة دون سياسة، وسياسة دون مشاركة الناس كما هم، بل كما تعاد تربيتهم وتوعيتهم، عن طريق شركات الإعلان التي ينوهون بإحداها وبمديرها في الصفحة الأولى من التقرير، ويشكرونها على «حملة التوعية الواسعة» التي قامت بها.
يقول التقرير (صفحة 182) «ما من رواية واحدة للحرب. ليس هذا شرطاً الآن ما دمنا في الأساس لا نملك رواية واحدة للتاريخ اللبناني». ويعتبرون أن « الدولة والمواطنة تظلان أملاً مستقبلياً... من خارج السياسة» (صفحة 191)؛ ثم يتحدثون عن إنتاج «نموذج فريد للدولة والديموقراطية والمواطنة في المنطقة».
في التقرير قراءة خاطئة للتاريخ اللبناني، فلا يستطيع كاتبوه الاستناد إلى التاريخ؛ وفي التقرير إهمال للسياسة، فلا يستطيعون الاستناد إلى الجمهور، وإلى الناس كما هم؛ وفي التقرير تجاهل لآلية عمل النظام الاقتصادي السياسي، فلا يستطيعون إلا انتظار المعجزة متشبثين «بالفرادة اللبنانية». ربما كانوا يتمنون العودة إلى تركيبة ما قبل العام 1975، بالاستناد إلى أيديولوجيا تلك الفترة.