جعفر العطار
العلم «رأس مال» الفلسطيني. هو سلاح دائم، يحمي الفلسطيني من المنغصات التي تلاحقه في معترك حياته اليومية. وبالعلم، يسعى اللاجىء الفلسطيني الى التخفيف عن عبء أحلامه الكثيرة.
تلك ليست وجدانيات عابرة تجاه قضية عامة صار عمرها أكثر من ستين سنة، ولا هي نظريات علمية ـ سياسية تؤازر القضية الفلسطينية، أو بالأحرى تطالب بحق بسيط يضمن لها فكرة التعلم بعيداً عن المشاكل كلها، وبوثيقة زرقاء.
انها، وبكل بساطة، قناعات راسخة عند طلاب فلسطينيين أرادوا التعبير عنها آملين بالوصول الى نتئاج محمودة، فحملوا كلماتهم يوم أمس، الى قاعة الشهيدة اللبنانية «نبيلة برير»، في مخيم «مار الياس».
الدعوة وجهتها منظمة الجامعيين والمعاهد التابعة لاتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني «أشد»، تحت عنوان «نحو تعليم مجاني للطلبة الجامعيين الفلسطينيين في لبنان».
عنوان المؤتمر، وهو السابع من نوعه، لا يشبه كثيراً ما قاله 50 طالباً من أصل 85 حضروا الى القاعة الصغيرة التي تفتقد الى التكييف. انه عنوان عريض، وطلبه واحد يرمي الى كسب فرصة التعليم المجاني. وهو أمر، تبين الكلمات التي القيت أنه عسير جداً.
تتقدم هبة أبو طه، وهي طالبة فلسطينية في جامعة بيروت العربية، الى المنبر. تبدأ بشرح رأيها السابق عن المخيمات، أي قبل دخولها الى الجامعة، لافتة الى أنها لم تكن تصدق ما تسمعه عن المعاناة. الا أنه، و«بعد دخولي الى الجامعة، اكتشفت الويلات والمصائب، فأنا كنت بعيدة، أي أنني أقطن في منطقة الناعمة».
تتذكر هبة جولتها مع الاتحاد في مخيم نهر البارد، تصمت قليلاً ثم تنسكب دموعها بهدوء. يعلو التصفيق الحار في القاعة. تقرر التوقف عن الحديث، لكنها تردف قبل مغادرتها: «حرام.. والله حرام، نحنا ما عم نشوف شي!».
بعد هبة، سيستقبل المنبر البسيط، ولمدة ثلاث ساعات متتالية، طلابا كثراً حضروا من جميع المخيمات اللبنانية.
يقول وسيم العثمان، وهو سكرتير منظمة الجامعيين والمعاهد في مخيم نهر البارد، أنه «بعد الحرب على المخيم، أصبح عندنا هموم كبيرة، تتجلى بهمّ يرمي الى كيفية تأمين الأقساط، وكيف سنعيش حياةً طبيعية، فالواقع هو أننا عدنا على أمل العيش بين مقومات الحياة العادية».
وسيم، كغيره من الطلاب، يحمّل «الأونروا» ومنظمة التحرير الفلسطينية كل المسؤولية التي «سببوها لنا، فلا عدل في التوزيع، بل أصبحت حياة الواسطة، الواسطة والظلم.. فقط!». قبل عشر سنوات، كانت نسبة دخول الطلاب الفلسطينيين الى الجامعات 97 بالمئة، أما الآن «فقد وصلت الى 33 بالمئة! ما يعني أن الطلاب يئسوا وفروا من العلم بسبب الظروف المادية» يشير عضو سكرتاريا «أشد» عاصف موسى.
اليأس. «الأونروا». «منظمة التحرير الفلسطينية». الدولة، وخصوصاً وزارة التربية. الأحزاب. كل هذه الكلمات كانت مشتركة الى حد قريب في مضمون «الخطابات» التي وجهها الطلاب. ولكل كلمة قصة، تصب في نهاية المطاف عند مطلب واحد: «النظر في أمرنا، لا نطلب شيئاً مستعصياً».
تقصد باسمة قبلاوي مدينة بيروت يومياً من مخيم عين الحلوة، لتحصّل علمها في معهد الغبيري. بعد الدرس، تعود الفتاة أدراجها الى صيدا، حيث تعمل في احد المستشفيات بدوام ليلي. الأهل، لا تراهم الا بالمناسبات. أما الراتب، فهو متدن. تجزم الفتاة بأنه «لا وقت للراحة، وغير الراحة، فهناك رائحة يجب أن تتنشقها يومياً، انها رائحة الذل، والسبب أنك فلسطيني!».
برغم هذا، «فانني في النهاية فتاة. ماذا عن الشاب الملزم بتأمين حياته وتكوين نفسه؟» تسأل الفتاة، بيد أنها قبل الاجابة، تتذكر الاشارة الى أمر مهم تواجهه يومياً: «الاجراءات الأمنية التي تعيق وصولنا الى الجامعة. يكفيك أن أصغر جندي يحق له أن يذل أكبر شخص عندنا!».
وما ان تنهي تعليقها، حتى يتدخل «الرفيق» عاصف قائلاً: «خلينا طلابيين»، فيقابل رأيه بسؤال تهكمي: «ليه.. بيحبسوني؟».
لليال، وهي من صور، رأي آخر تجاه فكرة «اليأس بعد التعليم والتخرج» ترمي الى ضرورة حذف «كلمة دكتور أو مهندس من قاموس أي فلسطيني. أن تكون طبيباً أو مهندساً، فهذا أمر مستحيل، والحجج واضحة، بين حق العودة وعدم التوطين. مذ أبصرت النور وأنا أسمع هذه السمفونية!»، تقول ليال بحنق، ثم تسأل: «هل يكفي معاش 600 ألف ليرة لعائلة مؤلفة من ثلاثة أخوة جامعيين؟ بالطبع لا يكفي!» تردف، ثم تضيف: «بالمناسبة، انه معاش والدي!».
برأي حنين، فان مشاكل الطلاب الفلسطينيين لا تنتهي فقط على صعيد المنح الدراسية، بقدر ما أصبحت حلماً يصعب تحقيقه على أرض الواقع. والحلم تقصد به حنين، هو تأمين فرص عمل بعد التخرج. «أنا بيي كان محبوس، ما بعرف اذا اسمعت فيه، اسمه يوسف شعبان» تقول الفتاة العشرينية، التي انخرطت في ادارة الأعمال في جامعة بيروت العربية، «بعدما يئست! الا أنني أحب مجال الصحافة».
بكل تواضع، يعترف محمد عباس أنه طموح. فهو قد تنقل في مجالات متعددة، و«استطعت أن أتغلب على كل الظروف القاسية. ووجودي هنا ليس للمطالبة بحقوقي، بل من أجل دعم رفاقي». عباس لا يعلم أن ظمأ البحث عن فرصة عمل دائمة هي السبب في تنقله بين الموسيقى والصحافة، والترجمة وإدارة الأعمال.
يصر أحمد علي زيدان، وهو من مخيم عين الحلوة، على أن يقول: «نحن فلسطينيون، هذا صحيح، لكننا بشر! اللاجئ الفلسطيني في لبنان انسان مع وقف التنفيذ. أنا أطالب جامعة بيروت العربية أن تراعي الطلاب الفلسطينيين عبر تخفيض الأقساط كما فعلتLIU وAUL.
"من الآن وصاعداً، لن نصفق للأحزاب الفلانية، من الآن وصاعداً، عليهم هم مساعدتنا والوقوف الى جانبنا!» يقول أحد الشبان، وهو من بين الطلاب الذين أجمعوا على أهمية توسيع نطاق التحركات في كل المناطق، والضغط بشكل أوسع على «الأونروا» و«منظمة التحرير الفلسطينية». الطلاب طالبوا المنظمة بتوزيع المساعدات بشكل عادل، وشددوا على اعادة بناء وتفعيل الاتحاد العام للطلاب الفلسطينيين في لبنان.
لكن، هل ستؤتي هذه الكلمات، والحملات ثمارها؟
يجيب يوسف أحمد، رئيس اتحاد الشباب الديموقراطي، «أشد» ﻠ«السفير» لافتاً الى أن المؤتمر «هو سلسلة من تحركات ينفذها اتحاد الشباب لرفع صوت ومعاناة الشباب، ذلك أنه يجب على «الأونروا» ومنظمة التحرير الفلسطينية، والدولة اللبنانية، أن تكون قضايانا من الأولويات عندهم». ويشير أحمد الى أن «أشد» ستسرسل نداءات ومذكرات للجهات المعنية بالتعليم الجامعي «خصوصاً الأونروا ومنظمة التحرير، من أجل انقاذ المستقبل التعليمي للطلاب الفلسطينيين في لبنان».
| Mon | Tue | Wed | Thu | Fri | Sat | Sun |
|---|---|---|---|---|---|---|
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 1 |
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 1 |
